أحمد مصطفى المراغي

61

تفسير المراغي

ثم ذكر أنه ما كفاهم قتل البنين واستحياء البنات من بني إسرائيل بل أرادوا أن يجتثوا هذه الشجرة من أصلها ، كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله : ( وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) أي وقال فرعون لملئه : دعوني أقتل موسى وليدع ربه الذي أرسله إلينا ليمنعه منا ، وكان إذا همّ بقتله كفوه وقالوا له : ليس هذا بالذي يخاف منه وهو أضعف من ذلك شأنا ، وما هو إلا ساحر يصاوله ساحر مثله ، وإنك إن قتلته أدخلت الشبهة في نفوس القوم واعتقدوا أنك عجزت عن مقابلة الحجة بالحجة ، وما يزالون به هكذا يحاورونه ويداورونه حتى يكف عن قتله . وربما يكون قد قال ذلك تمويها على قومه وإيهاما أن حاشيته هم الذين يكفونه عن قتله ، وما يكفه عن ذلك إلا ما في نفسه من هول الفزع الذي استحوذ عليه ، كما يرشد إلى ذلك قوله « وَلْيَدْعُ رَبَّهُ » فإن ظاهره الاستهانة به بدعائه ربه سبحانه ؛ كما يقال : ادع ناصرك فإني منتقم منك ، وباطنه أن فرائصه كانت ترتعد من دعائه ربه ، فلهذا تكلم بما تكلم به مظهرا أنه لا يبالي بدعائه ربه ، كما يقول القائل ذروني أفعل كذا وما كان فليكن . ثم ذكر السبب في قتله فقال : ( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ) أي إني أخاف أن يفسد موسى عليكم أمر دينكم الذي أنتم عليه من عبادة غير اللّه ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة اللّه وحده ، أو يوقع بين الناس الخلاف والفتنة ، إذ يجتمع إليه الهمل الشّرّد ويكثرون من الخصومات والمنازعات وإثارة القلاقل والاضطرابات ، فتتعطل المزارع والمتاجر وتعدم المكاسب . والخلاصة - إنه يقول : إني أخاف أن يفسد عليكم أمر دينكم بالتبديل ، أو يفسد عليكم أمر دنياكم بالتعطيل ، وهما أمران أحلاهما مرّ .